الأدب والفن العرفاني- الصوفي والغياب الواضح في مدينة النجف الاشرف

 

الكاتب : د . بتول فاروق

   في المدن الدينية ، وخاصة تلك التي تحمل عبقا علميا ، وأدبيا يتوقع منها ، انتشار أدب العرفان والتصوف ، لغة الحب الإلهي ولغة العشق الصوفية ، مدينة شرقية كمدينة النجف مثلا ، يتوقع منها أن تحمل ملامح روحية عرفانية ، لان المدن الشرقية والدينية عادة تحمل روحا عاطفية شفافة ، تصبغها من خلال قراءة كتبها وسماع أناشيدها وموسيقاها الصوفية ، ونراها من خلال السالكين إلى الله ، عبر طرق عرفانية تتجلى في الزهد والابتعاد عن الناس وعن التكالب على الوجاهة والماديات . لا نجد في النجف ذلك ، إنها مدينة الفقه والفقهاء ، مدينة تركز على الفقه المعتمد على الحديث ، ولا نجد رديفا أخر له يصبغ النجف بهالة روحية واضحة ، لا ننكر أن حضرة ومقام الإمام علي (ع) ، يشكل معلما روحيا تهفو إليه ، ملايين الناس من كل أصقاع العالم ، لكن حديثنا هنا ينصب على المدينة التي تحتوي كل هذه القامات الشامخة من العلماء والمقامات الشريفة ؟ ، أين التفاعل الروحي ؟ هل البيئة الصحراوية للنجف هي السبب في هذا الغياب ؟ أم البيئة العشائرية - القبلية ، أم صعوبات الحياة الاقتصادية والسياسية ، جعلت منها مدينة قاحلة روحيا ، في الكتابات والشعر والنغم الصوفي . نجد الأدب السياسي حاضرا بقوة كما الشعر العاطفي ، او الشعر الشعبي الغارق في الحزن والشكوى من الحياة ومصائبها والخيانة وغدر الصديق قبل العدو . النجف كأية مدينة عراقية ، تتسربل بالحزن ، وتتزيا بالإهمال ، ويصطبغ وجهها الكالح بالغبار والشجن العميق . لا تجد واحة ولو بسيطة لفن العشق" الجواني "،العميق ، الدفين في أعماقها .. ، الحياة الروحية واحة غنّاء لمن يريد الارتكان إليها ، حتى لو كان هروبا من واقع مرير ، قاس. نحن أبناؤها نبحث عن بقعة للفن، للروح ، فلا نجدها ، خاصة بعد أن سيجت مقاماتها الدينية بالحراس والمفتشين ، فعندما تهفو أرواحنا للذهاب إلى منبع الروحانية في حضراتهم ، ومقاماتهم ، نتذكر طوابير التفيش التي تقزز الجسد والروح . نريد أدبا مكتوبا من الحب السامي ، البعيد عن الغرضية والمصلحية التي تصبغ ادعيتنا اللاهثة وراء حاجات لا يلبيها الواقع . نريد موسيقى عرفانية تهز وجداننا ، وتعمق فينا حب الله . الفقهاء يرشدوننا الى كيفية السير في الحياة الدنيا ، في الأعمال الظاهرية ، أما أعمال الروح فهي تتعلق بالسلوك وتنمية الأخلاق والذات ، نحتاج مدينة دينية طافحة بحب الناس وتقدم السلام والمحبة للإنسانية جمعاء ، فدين الله هو احترام الكون بكامله ، والإنسان الذي خلق على صورة الله ، أول من يفترض احترامه من الأديان . النجف اليوم قدمت الرؤية العقلانية للإنسان ، ورفضت تكفير الآخر ، إلا إنها تحتاج إلى لمسات روحية لتكون حاضرة واقعيا ، بدل الاحتفاظ بالرمزية غير المجسدة ، وهذا يعد أمرا مهما لتكاملها الديني . النجف هي كل ما تبقى - كما أرى ذلك - لإظهار روحانية الإسلام ، بعد أن أصابه الارهابيون بمقتل ، وصار عنوانا لقتل الآخر . النجف هي أملنا الأخير لتنهض بهذا الهم الخطير

Joomla Templates - by Joomlage.com