النهوة والتلوين

 

اليوم التقيت بامرأة أربعينية ، كانت تبحث عن تعيين ، بعد أن أكملت الدراسة المسائية ، وحصلت على البكالوريوس ، سردت لي قصتها ، أنها تعيل عائلة من ستة أشخاص ، تسكن منطقة ريفية ، أبوها المريض وأمها الكبيرة في السن وثلاث أخوات وأخ متخلف عقليا ، وتعيل نفسها ، عملت بأعمال كثيرة ، حتى بيع الخضرة ، والتنظيف وخياطة العباءات النسائية ، لم تعد عيناها تساعدانها ، فكفت عن ذلك ، كانت قد عملت باجر يومي في إحدى الدوائر ، ثم أنهيت خدماتها ، سألتها عن سر عدم زواج أخواتها للان ، قالت :نهى علينا أبناء عمومتنا ، وأمي وأبي رفضا تزويجنا لهم ، لخلافات صغيرة كانت تسود بين الأمهات بالدرجة الأولى .

في الجمعية نلتقي بنساء كثيرات ، نسمع قصصا صارخة الألم ، بطلها  المجتمع الذكوري ، نرى البؤس باجلى صوره ، لا احد يرسم وجوها قاحلة ، وأجسادا ضئيلة كما يرسمها هذا المجتمع بتفنن غريب .. ، إذا كان الفقر يحمل وجه امراة في كل العالم ، فان الظلم والامتهان عندنا يحمل صورة المرأة ، باي صفة تكون ، لم اتخيل انني سالتقي يوما بامراة قد (نهى) عليها ابن عمها ، مع أخوات لها ثلاثة ، انا التي لم تعرف بوجود ظلم كهذا الا متاخرا جدا ، لم اكن بنت ريف ولم اكن افقه قوانين العشائر ، كنت اسمع فقط بحالات قد حدثت منذ ابد بعيد ، ولم اتخيل ان العنجهية الذكورية مازالت مستمرة في مجتمع القرن الحادي والعشرين .

طبعا امراة مثلي لم تعش ظروفا من هذا القبيل اشعر بالأسى والرعب من حياة افرغت من معناها بامر خارجي قاهر وقع على البنات ، بل إني انفجرت من الغضب ووددت حرق العالم كله ، بسبب تجويع هؤلاء النسوة ، وجعلهن يعشن الإهمال لا لذنب إلا الاستضعاف  الذي يكرسه المجتمع تجاه الأنثى ، تزوج أولاد الأعمام وظلت الفتيات تحت رحمة ظروف العراق القاسية . تساءلتُ إذا كان أولاد الأعمام منعوهن من الزواج ، فلماذا لا يقيمون أودهن ويقيمون بمعيشتهن ؟، اين الغيرة التي يدعي رجال العشيرة بحملها ؟، فإذا منعتوهن عن الزواج فلماذا لا تتحملون مسؤولية معيشتهن ؟، بدلا من هذا الطرق المذل ، للبحث عن عمل هنا وهناك ، علها تجد تعيينا في دائرة حكومية، احدهم قال لها صراحة ، لن تحصلي على تعيين ،لأنك لست ملونة ، ولما سألتها :ماذا كان يقصد ؟!قالت :لا أضع المكياج ولا البس الملابس الصارخة الألوان . قلت لها :هكذا إذن ، يتعاون رجال المجتمع كله لأجل تجويعك ، لان جسدك استخدم كوسيلة للحرمان ، منعوا جسدك من العيش الحر ، كانسان ، واختصروا حياتك بأمزجتهم المجرمة ..

كانت هذه المرأة بحاجة إلى من يستمع  إليها ، كانت تفضفض عن نفسها بحكايتها ، بعد أن أهلكها الجوع والمذلة . لماذا تستمر مثل هذه الحضارة الخالية من قيم العدالة  ،ولا تستبدل بقيم تحترم الإنسان ؟ ، حينها سنعرف كيف نعيش إنسانيتنا ، وكيف ستدار الحياة بطريقة ينحسر به الظلم إلى أدنى مستوياته ؟.

 

 

م.د بتول فاروق الحسون

Joomla Templates - by Joomlage.com