الرئيسية / الفعاليات العلمية / الخطاب الديني وتأثيراته البنيوية على قيم التعايش

الخطاب الديني وتأثيراته البنيوية على قيم التعايش

دعوة لجعل الدين عامل توحيد لا تفرقة ..

د. بتول فاروق الحسون  /جامعة الكوفة

   هناك مقولة تقول ان الصراعات الدينية نشأت حينما بدات الاديان التوحيدية باعلان انها وحدها تملك الحقيقة ، وانها وحدها تمثل  مقولة الله ، ومشيئته على الارض ، وان البشر لم يعرفوا الصراعات والاقتتال من اجل نشر وتعميم هذه الرؤية الا مع ظهور هذه الاديان التوحيدية الكبرى، اليهودية والمسيحية والاسلام . فاذا كان الامر صحيحا ، لظروف تخص معتنقيها  ، فان الاديان هذه، مدعوة اليوم لا ظهار الجانب الروحي الذي يفترض ان يعم البشرية ، بمعنى انها مدعوة لابراز  القيم الاخلاقية التي تشكل الاساس الاول لها ، في التعامل الانساني  ، وعليها ان تعترف بهذه الحقيقة البارزة-التي هي مسلّمة  انسانية-  وهي ان التنوع والاختلاف في الرؤى  امر ثابت وقار في المسيرة البشرية ، وان اية محاولة لتوحيد الناس تحت قناعة واحدة او رؤية واحدة او تصور معين انما هي محاولات فاشلة ، قد فشلت عبر التاريخ ، وماهي الا محاولة لتنميط عقل الانسان وروحه ، وقسر تطلعاته ليتبنى امرا لايؤمن به ولايراه . ان التنوع يعبر عن غنى العقل البشري وروحه. وان هذا الغنى هو سمة فطرية ذاتية يتحلى بها هذا الكائن الحر ، فكل الاديان تؤمن بان الانسان ولد حرا ، وان التخويف او الترويع لجعله يتبنى رايا اومعتقدا ما انما يصادر حريته التي هي اساس الايمان والاعتقاد الديني ، لكن للاسف-فقد حفل تاريخ الديانات بما يخالف بنية الاديان ذاتها واس قيامها ، وهي حرية الانسان بالاعتقاد ، وخاضت حروبا دموية لاخضاع الاخر باسم الله تعالى، وباسم الانبياء والرسل، وبأسم  القيم الاخلاقية التي كانت تبشر بها ،
    ان التدين عند الانسان له جذوره العميقة في روحه، ويجد انه لايستطيع ان يعيش دون ايمان بقيم تعطيه الامان النفسي وتربطه بقوه عليا تعطيه الامل والامان:  بانه لن يترك وحده يصارع آلامه لوحده ، وان مصيره يستطيع ان يصنعه بذاته حينما يحاول ان يتمثل القيم العليا التي تجعله مستقيما ، يخجل من ارتكاب الفواحش لان الهه الذي يعبده لايرضى الا بالعمل الصالح .
كان على الاديان ان تستثمر هذه الروحية الانسانية لخلق عالم يعبد الله ويقدس العمل الصالح ، كلا حسب تصوره لالهه ، وان لايسجنوا اتباعهم خلف الاسيجة اللاهوتية الصارمة،  لخلق عالم متسامح يرى الاخر رفيقا له في العبادة ومساويا له في القيمة الانسانية امام الله وامام الناس، لكن حراس الاديان ارتكبوا من خطايا الكراهية والتمييز والعنف الكثير ، على المتصدين للامور الدينية وللخطاب الديني للاديان جميعا الاعتراف اولا بما ارتكب باسم  دينهم من جرائم ضد البشرية ، عليها ان لاتنكر ان في تاريخها حقبا زمنية دموية ، ارتكبت تحت شعارات الدعوة لدينها ونشر كلمة الله على الارض ، وبدون هذا الاعتراف ستظل الاديان هذه مصنعا لانتاج الكراهية والاحقاد والتمييز والتكفير ومن ثم العنف ، وتصل الكراهية  حتى داخل الدين الواحد ، فكل مذهب
يرى انه يمثل الفرقة الناجية والاخرى مصيرها جهنم ، ولم تكتف بان تجعل مصيرها المؤلم اخرويا ، بل اعطت لنفسها الحق بان تقاتلها لتذعن لمقولاتها وتصوراتها المذهبية .
    من هنا على المتصدين للخطاب الديني باسم اديانهم ومذاهبهم (ولاحظوا اني لا اسميهم برجال الدين، لاسباب عملية ودينية ايضا )عليهم ان يخلصوا اديانهم والبشرية -على الاقل دنيويا-  بان يجعلوا مصير الاديان الاخرى الضالة برايهم الى الله الى يوم الدين ، يوم الجزاء ويوم الدينونة .
 عليهم ان يتخلصوا من الخطابات التي تنادي بالدعوة القسرية للدين باسم الجهاد ، او الاستحواذ على مقدرات الشعوب ، تحت شعار شعب الله المختار .
  ان تجديد الخطاب الديني لم يعد ترفا فكريا على اتباع الديانات العمل عليه ، بل صار لزاما وجوديا ، تحتاجه البشرية كما تحتاج الخبز .
 ان المغامرة الفكرية التجديدية تجد، في اغلب الاحيان، في الدول المتخلفة اقتصاديا وثقافيا معارضة شديدة ، تكفر كل فكرة جديدة ، وتكفر قائلها مما يضطره اما الى التخفي اوالى الهجرة هربا من السياط الاجتماعية والدينية والسياسية ، مع اننا الان بأمس الحاجة الى هولاء المضحين الفدائيين الذين يتصدون للسائد والقار من الافكار والمعتقدات السلبية والتي تجعل حاجزا بين البشر وتصنفهم على اساس معتقداتهم التي ورثوها . ان اتباع الديانات حاليا ورثوا اديانهم عن ابائهم وامهاتهم ، ولم يختر احد دينه ، لذا من غير المعقول ومن غير الاخلاقي ان نحاسب الناس على امور اتتهم قسرا بحكم ولادتهم في هذه البقعة من الارض الذي ينتشر به هذا المعتقد دون غيره .
  لنفسح المجال الان لنسمع ونقرا كل الافكار التي يتناولها المفكرون المتنورون ، دون خشية من ان يهدم احد منهم دينا او معتقدا حقا . التنوير الاسلامي-على الاقل-لابد ان يبدأ ، لاننا مازلنا نعيش افكار العصور الوسطى ، التي ترى الحق عند مجموعة من الناس  ، وان معتقدهم الصائب  لابد ان يسود ، وان قسرا ، وعلى اتباع هذا الدين ان يقوموا بدعوة كل الناس ولو كرها، للدخول تحت خيمة دينهم ،  علما ان هذا الدين ذاته تتنازعه فرقا شتى ، واحدهم لايعترف بالاخر ، وان الحروب المذهبية مستعرة غالبا .
 في العراق الان وبعد التجربة المريرة التي عاشها الشعب العراقي مع الارهاب ونتائجه المدمرة على الانسان والعمران -هذا الارهاب الذي تبنى خطابا دينيا متشددا ، وجد له ادعياء يمدونه بالفتاوى التحريضية على القتل والسبي والتدمير -بعد هذه التجربة المريرة لابد للعراق ان يعي الدرس جيدا وان يستخلص العبر التي صنعت من دم ، وان يتخلص من كل ركام العصور الوسطى اللاهوتية ، وان ينزع كل هذه الافكار الوحشية للدين، لكي يجعله خالصا لله ، عبر دعوته لرجال الدين والمفكرين  لاعادة النظر بالتفسيرات والقراءات للنصوص الشرعية ،المستمدة من فلسفة ضيقة في النظر للحياة والانسان  ، اخذين في الاعتبار محورية الانسان لدى الاديان كافه ، وجعله الهدف الاسمى لاي خطاب ديني حديث ومعاصر . ان هذه المهمة ليست مستحيلة ، لكنها ليست سهلة كذلك ، مرتكزين على بعض الاسماء المعاصرة والتي كانت لها خطابات معتدلة انقذت العراق من الاستمرار في الاقتتال الطائفي والديني .
  ومع دعوتنا لتنقيح القراءات والتفسيرات الدينية فان الورقة توصي القائمين على الاعلام المرئي والمسموع ، ان يكفوا عن عمل برامج  تقلل من شأن الديانات الاخرى واظهار مثالبها ومقولاتها التي تبدو غريبة في العصر الحالي ، فلايوجد دين الا وفيه بعض الغرابة في المعتقدات والطقوس ،   وهذا مانشاهده في القنوات الدينية التي استبدلت رسالتها الاولى في بث المحبة والسلام الى خطابات تثير الحقد والفرقة والبغضاء ، ان ادنى متابعة للمواقع الاعلامية والفضائيات ، سنجد الكثير من هذه البرامج التي انتشرت في الفترة الاخيرة كالحمى ،  تسعى للحط من ديانة الاخر المختلف .
كل الشكر لمن يسعى لانقاذ العالم من الافكار الشيطانية  التي  تظهر تحت  اسماء رحمانية مزيفة .  وكل الشكر لمن ينشر السلام والمحبة ويعمق  مفاهيم الخير في نفوس الناس ،  ودعوتنا اخيرا لاحترام حقوق الانسان ، التي هي خلاصة الاديان  كما اراها . والسلام عليكم ورحمة الله …
 النجف /٧/١٢ /٢٠١٧

شاهد أيضاً

السيد رئيس جامعة الكوفة الاستاذ الدكتور محسن الظالمي يزور كلية الفقه

زار السيد رئيس جامعة الكوفة الاستاذ الدكتور محسن الظالمي وبصحبة السيد المساعد العلمي الاستاذ الدكتور …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *